الحكومات المستقبلية أقرب إلى السكان عبر «الرقمنة»

إعداد: أنور داود
لم تكن جائحة «كوفيد 19» التي هزت العالم منذ عام 2020، أزمة صحية فحسب؛ بل كشفت عن أوجه جديدة لما يجب أن تكون عليه الحكومات، ودورها المتمثل في وضع السكان على رأس محور خدماتها في كل الظروف والأوقات. فما إن اشتدت ذروة الوباء حتى فُرِضَت القيود على الحركة، وأُغلقت المطارات أمام حركة السفر الدولي، وتوقفت وسائل النقل، وبقي الموظفون في منازلهم لإنجاز مهام عملهم اليومية عن بُعد، باستخدام تقنيات التواصل والخدمات الرقمية والبلوك تشين وغيرها من أدوات صنعتها البشرية ضمن رحلة اختراع التكنولوجيا.

وعلى الرغم من أن الحكومات في العالم سخرت كل إمكاناتها لدعم جهود القطاع الصحي الذي أنهكته الأعداد المتزايدة من الإصابات، بسبب سرعة تفشي فيروس «كوفيد 19»، فإنها حاولت مواصلة تقديم خدماتها للجمهور عبر منصاتها الرقمية ومواقعها الإلكترونية، فالحكومات التي طورت بنيتها التحتية الرقمية، واصلت خدماتها على مدار 24 ساعة، حتى مع بقاء موظفيها في منازلهم، لكن الحكومات التي رأت أن الخدمات الرقمية تعد ترفاً أو استثماراً ليس ضرورياً، تعطلت وأوقفت معها أعمال السكان. وقبل دفع المليارات في شراء وتطوير أنظمة تكنولوجيا وبرامج وتطبيقات، ينبغي على الحكومات تبني منظومة جديدة، تضمن محو الأمية الرقمية، وتعزيز الإدماج الرقمي للسكان عبر التوعية المستمرة، وإشراك التكنولوجيا في التعليم والتعريف بالأنظمة الجديدة.

خدمات حكومية فردية

يمثل مفهوم الحكومة الرقمية تحولاً أساسياً في الطريقة التي تتبنى بها الحكومات حول العالم مهمتها؛ حيث تستفيد الحكومات من قوة تكنولوجيا المعلومات، ونظراً لأن توفير الخدمات الحكومية يعتمد بشكل متزايد على البيانات، فيمكن للحكومات الحصول على فهم دقيق للتغييرات في احتياجات السكان، ما يسمح بتقديم خدمات مخصصة لكل فرد من خلال إنشاء قناة اتصال مباشر لكل مواطن، وهكذا، فإن الخدمات المقدمة للمواطنين ستتطور باستمرار.

الهوية الرقمية
يمكن للبنية التحتية الحكومية الرقمية المشتركة أن تعزز الابتكار داخل الأقاليم أو بينها؛ حيث يذهب إطلاق الخدمات الرقمية إلى أبعد من الحد من الأعمال الورقية وزيادة الكفاءة الإدارية، لأن الهويات الرقمية الآمنة والموحدة التي يستخدمها السكان للوصول إلى الخدمات العامة، ومن قبل الشركات لمعالجة العقود والمناقصات المقترحة إلكترونيا، تشجع النمو الاقتصادي الشامل وأنظمة الأعمال التجارية.

ويتطلب هذا الانتقال من الحكومات اعتماد معايير مشتركة، وتمرير قوانين حماية البيانات والخصوصية، وتنفيذ آليات فاعلة للأمن السيبراني أثناء خضوعها لرقمنة متزايدة وستحتاج الحكومات أيضاً إلى تنفيذ سياسات لزيادة المعرفة بالبيانات، وتعزيز الشراكات، والتكيف مع إعادة هيكلة سوق العمل القائمة على التكنولوجيا، لضمان ملاءمة مؤسساتها واستمرار عمل الاقتصاد الرقمي.

الحكومات أقرب
ترى «E&Y» أنه لبناء قطاع حكومي يصلح للمستقبل، يجب على الحكومة إعادة اختراع نفسها؛ حيث لا يقتصر التحول الرقمي على التقنيات الجديدة فحسب؛ بل يتطلب إصلاحاً شاملاً للهياكل التنظيمية والحوكمة والعمل والثقافة والعقلية، كما يعني تحقيق رؤية أوسع للعلاقات ونماذج الأعمال التي ستعيد تصميم كيفية عمل الخدمات العامة، عندها فقط ستحصل الحكومات على الفوائد الأوسع التي يمكن أن يحققها التحول الرقمي للناس والمجتمع.

ويتوقع الأفراد خلال المرحلة الحالية أن تكون الخدمات الحكومية شخصية مثل الخدمات التي يحصلون عليها من القطاع الخاص؛ حيث تحتاج الحكومات إلى إعادة تصور كيف يمكن استخدام الرقمنة لتعزيز تجربة السكان الشاملة للخدمات العامة، وهذا يتطلب تبني ثقافة «المواطن أولاً» وعقلية تصميم السياسات وتقديم الخدمات.

الذكاء الاصطناعي
يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تقديم الخدمات للسكان، باستخدام روبوتات المحادثة لإكمال المعاملات داخل المواقع الحكومية، ويمكن أن يساعد في تحسين التخطيط الحضري من خلال تحسين الطرق لمشغلي النقل، وتقليل أوقات رحلات الركاب؛ وتقديم الدعم التعليمي للطلاب، بناء على احتياجات التعلم الفردية الخاصة بهم؛ وتمكين الإحالة الذاتية والفحص عبر الإنترنت، وإرشاد السكان إلى الخدمات الاجتماعية.

البلوك تشين
يجب على الحكومات إيجاد طرق مستدامة لتمويل الخدمات العامة والبنية التحتية؛ حيث تخلق التقنيات الرقمية فرصاً لاستكشاف نماذج جديدة لتقديم الخدمات، وتحسين إدارة الموارد من خلال الإنفاق الأكثر ذكاء، وربط الأموال المستثمرة في البرامج والخدمات بالنتائج التي تنتجها للمواطنين، ما يعزز المساءلة والثقة. ويمكن أن تساعد تقنية البلوك تشين في تتبع كيفية إنفاق الأموال من خلال النظام، على سبيل المثال، من وزارة المالية إلى إدارة الإنفاق ثم الجهات المنفذة للمشاريع.

العمليات الروبوتية
توفر أتمتة العمليات الروبوتية زيادة السرعة والكفاءة، والمرونة في التعامل مع فترات الذروة في الطلب أو تراكم الأعمال، والحد من الأخطاء؛ حيث تستخدم بعض الحكومات بالفعل قوة عاملة افتراضية لأتمتة العمليات التجارية الروتينية، والتخفيف من عبء المهام الكبيرة والمتكررة، وتحرير الوقت والموارد التي قد تركز على خدمات الخطوط الأمامية.

محو الأمية الرقمية
يجب على الحكومات محو الأمية الرقمية، واتباع سياسات لتشجيع الاقتصاد الرقمي، يتضمن ذلك العمل مع الشركات الخاصة لتوفير شبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات؛ ومحو الأمية الرقمية، وتعزيز الإدماج الرقمي، وتمكين الوصول الآمن إلى الخدمات، من خلال أنظمة تحديد الهوية الرقمية.

«كوفيد – 19» والتحول
بحسب، «بوسطن كونسلتينغ جروب»، سعت الحكومات بشكل متزايد إلى توسيع نطاق وجودة خدماتها عبر الإنترنت ومواكبة التقنيات الرقمية الناشئة، عندما يتم العمل بشكل جيد، فإن السكان يقدرون الراحة والمرونة، وتستفيد الحكومات نفسها من تحسين كفاءة تقديم الخدمات، والاستفادة من نماذج تقديم الخدمة الرقمية الجديدة، وتحسين تكييف هذه الخدمات، بناءً على رؤى جديدة للسكان.

وسلطت جائحة «كوفيد- 19» الضوء على أهمية الخدمات الحكومية الرقمية، مما عزز وضعها الدائم كأولوية ما بعد الجائحة، فقد أجبرت الحكومات على الاستجابة بسرعة وتوسيع نطاق الخدمات الجديدة والمحسّنة اللازمة لتأمين صحة المواطنين وسبل عيشهم ورفاههم العام.

مساعد افتراضي
يجب على الحكومات أيضاً تحديد أولويات طرق استخدام البيانات ومشاركتها التي تفيد المواطنين بشكل مباشر. على سبيل المثال، استفادت لاتفيا من الذكاء الاصطناعي لتطوير «UNA»، وهو مساعد افتراضي للخدمة الحكومية يوفر إجابات عن الأسئلة المتداولة للمقيمين من خلال تطبيق مخصص وروبوت دردشة – وبالتالي استخدام الذكاء الاصطناعي من دون المساس بتجربة المستخدم النهائي، أو تعريض البيانات للخطر أو اتخاذ القرار.

البنية التحتية الذكية
يمكن معالجة العديد من التحديات الأساسية مثل التلوث ونقص المياه وتغير المناخ، من خلال تطوير البنية التحتية الذكية مثل: السيارات المتصلة والمركبات الكهربائية وشبكات الطاقة الذكية والمباني الموفرة للطاقة وشبكات إنترنت الأشياء وفتح بوابات البيانات.

وتواجه الحكومات ضغوطاً قوية، لبناء البنية التحتية وتحديثها، لا سيما في المراكز الحضرية؛ حيث يؤدي التزايد السكاني إلى زيادة الضغط على المرافق القديمة، وتحتاج العديد من البلدان الناشئة إلى بنية تحتية جديدة، لدعم النمو السكاني، وزيادة النشاط الاقتصادي، بينما يتعين على الأسواق الناضجة تجديد البنية التحتية المتدهورة أو غير الفاعلة. ومع ذلك، فإن سنوات قلة الاستثمار في البنية التحتية تلحق الآن بالبلدان في جميع أنحاء العالم.

وتوفر البنية التحتية الذكية طريقة لتسخير أحدث التقنيات للحصول على أقصى قيمة وكفاءة وخلق المرونة والاستدامة، وهي تطبق التكنولوجيا الرقمية مثل الأجهزة الذكية وأجهزة الاستشعار والبرامج، على الهياكل المادية من محطات الطاقة إلى الجسور.

إستونيا

استطاعت إستونيا بناء نظام بيئي فعّال وآمن وانتقلت إلى الرقمنة خلال 20 عاماً؛ حيث إن 99% من الخدمات الحكومية تتم عبر الإنترنت على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع؛ ولذلك ليس من المستغرب إذاً أن يصمم الإستونيون العديد من الحلول الرقمية للمساعدة على معالجة أزمة الجائحة.

ومن خلال الرقمنة، يوفر الإستونيون 3% من الناتج المحلي سنوياً، كما يوفرون كومة من الورق بارتفاع برج إيفل. ومن الحقائق التي تتميز بها إستونيا أنه في ظل التطور الرقمي في هذه الدول، فيمكن لسكانها التصويت عبر الإنترنت أثناء قطف التوت في الغابة.

البنية التحتية
منذ أكثر من عقدين من الزمن، بدأت إستونيا في بناء بنيتها التحتية للمجتمع الرقمي في وضع لم يكن لدى عامة السكان فيه إمكانية الوصول إلى الإنترنت أو الأجهزة التي يستخدمونها معها. لقد آتت الأفكار المبتكرة والتفكير المستقبلي، مصحوبة بالشجاعة للاستثمار في الحلول الإلكترونية وحكومة المسار، ثمارها. ويعد نمط الحياة الرقمي جزءاً من الحياة اليومية للناس في إستونيا. فأساس مجتمعها الرقمي هو فكرة أن الاتصال بين الدولة والسلطات المحلية والشركات والمواطنين يجب أن يكون سريعاً وسهلاً قدر الإمكان، مما يوفر الوقت والموارد ويتطلب القليل من البيروقراطية أو لا يتطلب أي بيروقراطية على الإطلاق.

وأصبحت إستونيا دولة ذكية؛ حيث حققت أقصى استفادة من العلم والبحث والابتكار وذكاء الناس وفرص العالم الرقمي لإنشاء مساحة ودية لاختبار الابتكارات الجديدة.

مواطنون رقميون
تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بميزات ومقومات فريدة، لعلّ من أهمها التركيبة السكانية الشابة لمواطنيها، وهو الأمر الذي يسهم بكلّ تأكيد في دعم جهود التحوّل الرقمي الجاري تنفيذه حالياً؛ حيث تبلغ نسبة الأفراد دون سن الرابعة والعشرين في المنطقة نحو 54% من إجمالي عدد السكان؛ إذ يستخدم هؤلاء الشباب الخدمات الرقمية في مختلف جوانب حياتهم اليومية باعتبارهم «مواطنين رقميين»، ويتطلّعون دوماً للحصول على المزيد من الخدمات الرقمية عالية الجودة، وسهلة الاستخدام، والمُتاحة بصورةٍ جيدة في الوقت ذاته. علاوة على ذلك، أدّى الإقبال المتزايد على خدمات الإنترنت إلى تزايد الطلب على الخدمات الرقمية، حتى باتت واحدة من أهم الوسائل الفاعلة وفائقة السرعة للحصول على الخدمات المطلوبة بسهولةٍ ويسر. على صعيد آخر، ساهم ارتفاع نسبة السكان الذين يقيمون في المدن الكبرى بدول مجلس التعاون الخليجي في تعزيز هذا التوجّه؛ حيث يقيم نحو 85% من السكان في المدن الكبرى، ويستخدمون الخدمات الحكومية الرقمية بصورة منتظمة»

تقليل الازدواجية
يجب أن تكون الأنظمة والعمليات الكامنة وراء الحكومة الرقمية متوافقة جيداً مع بعضها، للسماح بتطوير منصة متكاملة للخدمات العامة عبر نظام يقلل الازدواجية بين الإدارات الحكومية، ويشجع على تبادل القدرات عبر القطاعات، وهذا يتطلب من الحكومات اعتماد معايير وهياكل مشتركة.

المنصات الجديدة
تحل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المحمولة محل القنوات التقليدية كوسيلة للتفاعل مع الحكومة والإبلاغ عن المخاوف وتقديم التعليقات. وتتيح خدمات الهاتف المحمول، مثل التطبيقات والرسائل النصية القصيرة، للأشخاص الوصول إلى الخدمات بطريقة ملائمة، فيما تشجع أدوات المشاركة الإلكترونية على زيادة التعاون مع المواطنين من خلال إشراكهم في صنع القرار ووضع السياسات وتحديد أولويات الميزانية وحل المشكلات والتصميم المشترك للخدمات.

آليات الخدمات الرقمية

حدّدت «بوسطن كونسلتينغ جروب» عدداً من الخطوات الرئيسية التي يمكن اتباعها من قبل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لضمان تطبيق إجراءات وتدابير شاملة في مجال التحوّل الرقمي، وتعزيز آليات تقديم الخدمات الرقمية، وهي الاستمرار في تحسين مجموعة الخدمات المقدمة، ومنح المواطنين إمكانية التحكُّم في بياناتهم، ودعم التوجهات المتعلّقة بالاستخدام الأخلاقي للبيانات، والاستثمار في أدوات وتقنيات حماية أمن البيانات في جميع مراحل تقديم الخدمات، ووضع المعايير والمبادئ التوجيهية الشاملة، وتنظيم دورات تدريبية متقدّمة، والتركيز على معالجة المعوّقات التنظيمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.