كيف انتزع حزب الله أسراه الثلاثة ؟
كيف انتزع حزب الله أسراه الثلاثة ؟
Follow @alhadathnews

ما إن أُطلِقَت صفّارة هدنةِ الجرود بعد أن فرض أزيز الرصاص رأيه، حتّى حاولت “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً) المهزومة اللّعب في الوقت الضائع علّها تفرض شروطاً بالابتزازِ لم تستطع تمريرها إبّان المعركة.

“وثبة نمر” تلك الفعلة التي أقدم حزب الله على تنفيذها في الجرود. من كان يظنُّ أن أكثر من 150 كلم مربّع سيجري تنظيفها في أقلّ من أسبوع، ومن كان يظنّ أنّ “النصرة” التي خَبِرَت ظروف القتال في المنطقة الجرديّة طيلة أعوامٍ، ستتهاوى كأحجارِ الدومينو في ساعاتٍ قليلةٍ، وتنتقل من محورِ الإمساك إلى محور الهرولة ضمن جزءٍ لا تتعدّى مساحته الـ5 كلم؟! أمام هذا السقوط المدوي، حاولت “النصرة” “مكيجة” إخفاقِها بالإيحاء أنّها خرجت قويّة، لتقوم بمحاولة استغلال حدثِ التفاوض لردّ الصاع لحزب الله وابتزازه.

حلّ ظلامُ ليل الأربعاء – الخميس دامساً. كان وقف إطلاق النار قد دخل حيّزَ التنفيذ قبل ساعات، واستقرّ مسلحو النصرة في جيبهم المحدود. كانوا ما يزالون يقومون بعملياتِ رباطٍ على تخومِ آخر نقاطهم، وكان عناصر الإمداد اللوجستيّ في حزب الله يجوبون المحلّة بسياراتهم الرباعيّة الدفع من نوع “توتوتا” ذهاباً وإياباً. ضلّ ثلاثة منهم الطريق ليدخلوا عن طريقِ الخطأ مناطق “النصرة” ويقعوا في كمينٍ مُباغتٍ. شاءت الصُّدف أن لا يُقدم مسلحو “النصرة” على إطلاق النار عليهم مفضّلين سوقهم كأسرى.

فقد آثر العناصر الثلاثة. ما هي إلّا ساعات قليلة حتّى وصل الخبر اليقين إلى زعـامة المقاومة. هم أحياءٌ وباتوا في عِداد الأسر! استغلّت “النصرة” الحادث وحاولت استخدامه كورقة ضغطٍ تأتي من خارج سياق التفاوض المُتّفق عليه، والذي كان يدور على تسليمِ 5 أسرى أحياء من المقاومة مقابل إخلاء الجرود من المسلّحين ومن يرغب من المدنيين نحو إدلب. طلب حزب الله في لحظتها أحـتـوى الأسرى الثلاثة الجُدد في الصفقة، محذراً النصرة من تجزئةِ المفاوضات، مجدداً تذكيرها عبر الوسطاء أنّها ليست في موقع قوّة يُسمَح لها بفرض الشروط بل على العكس تماماً.

لكنّ زعـامة النصرة لم تقتنع، مبلّغةً الوسيط فحوى خطوتها التي آلت إلى اعتبار أنّ هناك صفقين لا صفقة واحدة، ويجب العمل عليهما بشكلٍ موازٍ وغير مترابط. نُقِلَت الرسالة إلى الأمن العامّ، ومفادها أنّ المرحلة الأولى ستشمل تسليم “5 جثامين لحزب الله” (هم بحسب الإعلام الحربيّ حسن علي شريف، جهجاه جعفر، مصطفى المقدم، أحمد الحاج حسن وقاسم العجمي)، مقابل تسليم الحزب لجثث 32 مسلحاً من النصرة على شكلِ تبادلٍ يتمُّ وفق تعهّدٍ من الجهة الوسيطة، وفي المرحلة الثانية يُخلى سبيل خمسة أسرى مقابل إخلاء الجرود على أن يبقى الثلاثة خارج هذه الصفقة!

بحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، اعتبرت النصرة أن المقاتلين الثلاثة جرى أسرهم بعد التوافق على المبادئ العامّة للتفاوض وسريانه، وعليه هم خارج بنود الصفقة وشروطها، فيما تواتر لموقعنا من مصادر مواكبة، أنّ الأسرى الثلاثة الذين وُضِعوا تفاوضيّاً بعهدة زعـامة “فتح الشام” في إدلب، كان ينوي شملهم بصفقةٍ أخرى لها علاقة بالإفراج عن موقوفين في السجون اللّبنانيّة والسوريّة والاستفادة منهم ضمن حيّزٍ أوسع.

وتكشف معلومات “ليبانون ديبايت”، أن الوسيط أبلغ الأمن العامّ برسالة “النصرة” ناقلاً إلى حزب الله المطلب، لكن الحزب أبلغه إصراره على استرجاع أسراه الثلاثة، وإبلاغ النصرة أنّه في حلٍّ من أيّ تعهداتٍ أو تفاوض في حال لا يتمّ أحـتـوى الأسرى الجُدد بالاتّفاق، وعليه سيذهب نحو تحريرهم بشكلٍ عسكريٍّ، ما يعني سقوط المفاوضات وإعادة تنشيط العمليّة العسكريّة نحو المربّع الأخير.

استدرك المفاوضون الخطوات بعد أن استشعروا النتائج المترتّبة، وإزاء فهم “النصرة” تشدّد حزب الله صـادفّيته في نسف المفاوضات وإعادة الأمور إلى نقطة الصفر، والضغوطات التي مُرِست، خلـع حزب الله ورقة أسراه الثلاثة من فم “النصرة”، وفُكّتِ العقدة وأُدخِل الأسرى ضمن الصفقة دون أيّ تحسينٍ أو تحديثٍ يُذكر على الورقة الأساسية ودون أن تبلغ النصرة أهدافها.

على الرغم من ذلك، لم تُروّض “النصرة” أو تنضج في مطالبها بل عملت على نواحٍ أخرى لتزيد من استفزازاتها وابتزازاتها مستغلّةً شدّ الأعصاب الذي واكب عملية تبادل الجثامين بالجثث صباح الأحد. ويمكن الرصد وبوضوحٍ كيف أنّ “النصرة” ومن يقف إلى جانبها على سكّة التفاوض، عملوا على المُماطلة في تسليمِ الجثامين. فمثلاً، أعطت إحداثيات خاطئة للصليب الأحمر اللّبنانيّ عن مكان دفن جثمانين تابعين لمقاتلين من حزب الله، ما صعّب مهمة البحث عنهما واحتاج إلى مزيد من الوقت للعثور عليهما.

وبعد أن عاينت المقاومة هذا التلاعب والاستثمار في الوقت الضائع، ردّت عبر تعليق تسليم جُثث مقاتليّ “النصرة” الذين أُحضِروا إلى ثكنة اللّواء التاسع في الجيش باللبوة، فقامت سيارات “الهيئة الصحيّة الإسلاميّة” بإعادة نقلهم إلى برّادات مستشفى البتول في الهرمل”. وردّ الإعلام الحربي يومها سبب التأخير إلى “العمليّة اللّوجستيّة حيث ينتظر التأكد من هوية جُثتي مقاتلين من حزب الله عبر فحص الحمض النووي”.

وفي تمام الخامسة والنصف عصراً وبعد أن ذُيِّلَت معوقات “النصرة” وجرى استرجاع رُفاة المقاومين والتأكّد منها، أعادت سيّارات الهيئة جُثث “النصرة” إلى اللّبوة لينقلهم الصليب الأحمر إلى عرسال بحسب الاتّفاق، ويحصل هنا أيضا تبدّل في مواقف “النصرة” بين وضعها في جامع “أبو طاقيه” أو دفنها في مقبرةٍ داخل عرسال.

قم بمشاركة المقال:

المصدر : الحدث نيوز